محمد محمد أبو موسى

265

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

والكلمة الواحدة لها ايحاءان مختلفان حسب سياقها ، فقد عبر القرآن الكريم بكلمة « سيق » في جانب الكافرين وسوقهم إلى جهنم زمرا ، وفي جانب المؤمنين وسوقهم إلى الجنة زمرا . ويقف الزمخشري عند هذا اللفظ في هذين المقامين المتباينين ، ليشير إلى ايحائه هنا وايحائه هناك فيقول : « فان قلت : كيف عبر عن الذهاب بالفريقين جميعا بلفظ السوق ؟ قلت : المراد بسوق أهل النار طردهم إليها بالهوان والعنف ، كما يفعل بالأسارى والخارجين على السلطان إذا سيقوا إلى حبس أو قتل ، والمراد بسوق أهل الجنة ، سوق مراكبهم لأنه لا يذهب بهم الا راكبين وحثها اسراعا بهم إلى دار الكرامة والرضوان ، كما يفعل بمن يشرف ويكرم من الوافدين على بعض الملوك ، فشتان ما بين السوقين » « 16 » . والزمخشري يجتهد كما قلنا في توضيح ما في اللفظ القرآني من تلويحات ، يبث الحذر والاشفاق بها في قلوب المؤمنين حتى تستقيم نفوسهم على الجادة ، واللفظ القرآني غنى بهذه الايحاءات لأنه كتاب تهذيب وتقويم وطريقته في التهذيب والتقويم هي النفاذ إلى النفس الانسانية وقيادتها واقامتها قيمة على نفسها ، وطريقة التلويح والايحاء طريقة لا تخطئ في النفاذ إلى النفس وايقاظها والتأثير فيها . يقول الزمخشري في قوله تعالى : « وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى » « 17 » : « بهذا الاطلاق والتصريح وحيث لم يقل « وزل آدم وأخطأ » وما أشبه ذلك مما يعبر به عن الزلات والفرطات ، فيه لطف بالمكلفين ومزجرة بليغة ، وموعظة كافة ، وكأنه قيل لهم : انظروا واعتبروا كيف نعيت على النبي المعصوم حبيب اللّه الذي لا يجوز عليه الا اقتراف الصغيرة غير المنفرة زلته بهذه الغلظة وبهذا اللفظ الشنيع ، فلا تتهاونوا بما يفرط منكم من السيئات والصغائر ، فضلا أن يجسروا على التورط في الكبائر » « 18 » .

--> ( 16 ) الكشاف ج 4 ص 114 ( 17 ) طه : 121 ( 18 ) الكشاف ج 3 ص 74